قراءة نقدية لرواية "جبن وبطيخ" للكاتبة أريج دكه الشرفا
بقلم الكاتب الأستاذ: كمال صبح
ملخص عام للرواية
تقدم رواية "جبن وبطيخ" سرداً مكثفاً يعبر عن الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال والصراع، من خلال خطين زمنيين متوازيين: الماضي (1944 وما بعده) والحاضر (2023 خلال الحرب على غزة). تتداخل حيوات الشخصيات بين برقة وغزة وأسدود، لترسم لوحة إنسانية معقدة تجمع بين المأساة اليومية والصمود، والذاكرة التاريخية والهوية.
الجوانب التقنية والأدبية
1. البناء السردي والهيكلية
· السرد المتوازي: نجحت الكاتبة في نسج خطين زمنيين متداخلين ببراعة، مما يخلق حواراً بين الماضي والحاضر ويعمق الإحساس بالاستمرارية التاريخية للمأساة.
· الفصول المرقمة ذات العناوين الرمزية: كل فصل يبدأ بحكمة أو ملاحظة عن الفئران، مما يحول الفأر إلى رمز متكرر (الاحتلال، الخوف، التسلل).
· التنقل بين الأصوات: استخدمت الكاتبة تقنية تعدد الأصوات السردية، مما يمنح القارئ رؤية شاملة من وجهات نظر متعددة (عهد، صالح، جنان، وغيرهم).
2. الشخصيات والتطور الدرامي
· شخصيات غنية ومتعددة الأبعاد: مثل عهد (الأم الصامدة)، صالح (الحامل لهموم الأرض والعائلة)، جنان (المرأة العقيمة التي تواجه الضغوط الاجتماعية).
· التفاصيل الدقيقة: أعطت الكاتبة لكل شخصية تاريخاً نفسياً واجتماعياً يبرر سلوكها وتطورها.
· العلاقات الإنسانية المعقدة: العائلة الممتدة، الجيرة، الصداقة، والصراعات الداخلية ضمن المجتمع الفلسطيني نفسه.
3. اللغة والأسلوب
· لغة شعرية واقعية: الجمل الفعلية الطويلة، الوصف الحسي الغني، والمشاهد الحية التي تنقل الروائح والأصوات والمشاعر.
· التراث اللغوي الفلسطيني: استخدام الأمثال، المصطلحات المحلية (الطابون، البيّارة، المارس)، مما يغني النص ويجذره في بيئته.
· التوازن بين السرد والحوار: الحوارات طبيعية وتكشف عن الشخصيات وصراعاتها الداخلية.
4. الرمزية والطبقات الدلالية
· الفأر كرمز مركزي: يمثل الاحتلال المتسلل، الخوف الداخلي، التهديد الخفي، والقدرة على التكاثر والصمود رغم الظروف.
· الطعام كرمز للهوية والمقاومة: الجبن والبطيخ (العنوان)، الشكشوكة، فتة العجر، الفلافل... كلها أطعمة ترتبط بالتراث والبقاء.
· الأرض والعرض: الصراع بين الحفاظ على الأرض والعرض (كرامة المرأة) في مواجهة المحتل والمجتمع.
5. الموضوعات الرئيسية
· الصمود في وجه الاحتلال: تصوير يوميات الحرب، النزوح، الخوف، والتمسك بالحياة.
· المرأة الفلسطينية: قوة، تحمل، صبر، ودورها المركزي في الحفاظ على الأسرة والهوية.
· الذاكرة والتاريخ: الربط بين نكبة 1948 وحروب اليوم، كاستمرارية للمأساة.
· الصراع الداخلي: داخل المجتمع الفلسطيني (التعاون مع المحتل، الخلافات العائلية، ضغوط العادات).
الكاتبة أريج دكه الشرفا قدمت رواية فلسطينية معاصرة، تتميز بالعديد من نقاط القوة، التي ربما تميزت بها الكاتبة و اتقنتها من حيث
1. الجرأة والعمق
تتناول الكاتبة قضايا شديدة الحساسية والتعقيد دون مواربة أو تبسيط، مع الحفاظ على النظرة الإنسانية الشاملة.
2. البحث والتدقيق
الرواية تُظهر بحثاً تاريخياً وجغرافياً دقيقاً (أسماء الأماكن، التفاصيل الزراعية، العادات الاجتماعية)، مما يمنح العمل مصداقية وغنى.
3. الرؤية الفنية المتكاملة
نجحت في دمج العناصر السياسية والاجتماعية والنفسية في نسيج سردي متماسك، دون أن يطغى جانب على آخر.
4. الالتزام الإنساني
الكاتبة لا تقدم شعارات سياسية جوفاء، بل تنفذ إلى عمق التجربة الإنسانية الفلسطينية بكل تناقضاتها وآمالها.
5. الابتكار السردي
البناء غير الخطي، الرموز المتكررة، التداخل بين الزمنين، كلها تقنيات تثري النص وتجعله عملاً أدبياً راقياً.
وبلا شك واجهت الكاتبة العديد من التحديات والتي تمثل في:
· كثافة التفاصيل وتعدد المشاهد قد اثقل كاهل الكاتبة من حيث متطلبات التركيز للحفاظ على نفس الخط الدرامي للرواية، وقد نجحت الكاتبة في السيطرة على هذا التعدد
· الخط الزمني المتشعب كان يحتاج دقة لربط خيوط الشخصيات والأزمنة، وهنا ايضا لم تتفلت من الكاتبة،
· بعض الاحداث والمشاهد كانت تتطلب نبرة عاطفية عالية وصلت الى الحماسة العاطفية، وقد حافظت الكاتبة على أن إعطاء كل موقف ما يستحقه من المفردات والترتيبات اللغوية دون مغالاة.
الخلاصة
"جبن وبطيخ" رواية ناضجة ومهمة، تقدم أدباً ملتزماً لا يتنازل عن جماليات الفن الروائي. أريج دكه الشرفا كاتبة تملك أدواتها بثقة، وتقدم رواية ستترك أثراً في الأدب الفلسطيني المعاصر. العمل ليس مجرد شهادة على زمن الحرب، بل هو استكشاف عميق للروح الفلسطينية في مواجهة التحديات الوجودية، وهو تحقيق فني يجمع بين الصدق الإنساني والجمال الأدبي.
هذه الرواية تستحق القراءة والدراسة، وتؤسس لكاتبة ستكون بلا شك من الأصوات المهمة في المشهد الأدبي العربي.
إقرأ أيضا: علم الأبراج والخرافة


إرسال تعليق